أبي الفرج الأصفهاني
413
الأغاني
ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد [ 1 ] ، وكانت قد نذرت حين قتل عاصم ابنها [ 2 ] يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه [ 3 ] الخمر ، فمنعته الدّبر . فلمّا حالت بينهم وبينه قالوا : دعوه حتى يمسي ، فتذهب عنه فنأخذه . فبعث اللَّه عزّ وجلّ الوادي فاحتمل عاصما فذهب به . وكان عاصم قد أعطى اللَّه عزّ وجلّ عهدا لا يمسّه مشرك أبدا ولا يمسّ مشركا أبدا تنجّسا [ 4 ] منه . فكان عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه يقول حين بلغه أن الدّبر منعته : « عجبا لحفظ اللَّه عزّ وجلّ العبد المؤمن ! كان عاصم نذر ألَّا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا أبدا في حياته ، فمنعه اللَّه بعد مماته كما امتنع منه في حياته ! » . رواية أخرى عن البعث ومصيره : قال محمد بن جرير : وأمّا غير ابن إسحاق ، فإنّه قصّ من خبر هذه السّريّة غير الذي قصّه غيره : من ذلك ما حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا جعفر بن عون العمريّ قال حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمر [ 5 ] أو عمرو بن أسيد عن أبي هريرة : / أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعث عشرة رهط ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، فخرجوا ، حتّى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فبعثوا إليهم مائة رجل راميا ، فوجدوا مأكلهم حيث / أكلوا التّمر ، فقالوا : نوى يثرب ! ثم اتّبعوا آثارهم ؛ حتّى إذا أحسّ بهم عاصم وأصحابه التجؤوا إلى جبل ، فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم ، وأعطوهم العهد . فقال عاصم : واللَّه لا أنزل على عهد كافر ، اللَّهمّ أخبر نبيّك عنّا . ونزل إليهم ابن الدّثنّة البياضيّ ، وخبيب ، ورجل آخر ؛ فأطلق القوم أوتار قسيّهم ، ثم أوثقوهم ، فجرحوا رجلا من الثلاثة ، فقال : هذا واللَّه أوّل الغدر ، واللَّه لا أتبعكم ، فضربوه وقتلوه ؛ وانطلقوا بخبيب وابن الدّثنّة إلى مكَّة ، فدفعوا خبيبا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد . فبينما خبيب عند بنات الحارث ، استعار من إحدى بنات الحارث موسى ليستحد [ 6 ] بها للقتل ، فما راع المرأة ولها صبيّ يدرج إلَّا خبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه والموسى بيده ، فصاحت المرأة ؛ فقال خبيب : أتحسبين أنّي أقتله ! إنّ الغدر ليس من
--> [ 1 ] كذا في « طبقات ابن سعد » ( ق 2 ج 3 ص 33 طبع أوروبا ) و « تاريخ الطبري » و « سيرة ابن هشام » و « معجم ما استعجم » للبكري . وفي الأصول : « سهيل » وهو خطأ . [ 2 ] في « معجم ما استعجم » : « ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد أم مسافع والجلاس ابني طلحة ، وكان عاصم قتلهما يوم أحد فنذرت . . . إلخ » . وفي « طبقات ابن سعد » أنها جعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة . [ 3 ] العظم الذي فوق الدماغ . [ 4 ] يقال : فلان يتنجس إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة ، كما يقال : يتأثم ويتحرج ويتحنث إذا فعل فعلا يحرج به عن الإثم والحرج والحنث . [ 5 ] كذا في « تاريخ الطبري » ( قسم أوّل ص 1434 طبع أوروبا ) وقد ذكره صاحب « تهذيب التهذيب » في اسم عمرو بن أبي سفيان بن أسيد وأورد اسمه أيضا في « عمر » وأحاله على « عمرو » ، وهذا يفيد ترجيحه اسم « عمرو » ، كما أنه أثبت في ترجمة أبي هريرة رواية عمرو بن أبي سفيان بن أسيد عنه . وفي ح : « عن عمر أو عمرو بن أسد » . وفي سائر الأصول : « عمرو بن عمرو بن أسد » وهما تحريف ؛ لأنه لم يوجد في أسماء الرواة من تسمى بهذا الاسم . [ 6 ] يستحدّ : يحلق شعر عانته . قال في « اللسان » مادة حدد : « وفي حديث خبيب أنه استعار موسى استحدّ بها لأنه كان أسيرا عندهم وأرادوا قتله ، فاستحدّ لئلا يظهر شعر عانته عند قتله » . ومنه الحديث حين قدم من سفر فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليلا فقال : « أمهلوا كي تمتشط الشّعثة وتستحدّ المغيبة » . قال أبو عبيد : « وهو استفعال من الحديدة يعني الاستحلاق بها ، استعمله على طريق الكناية والتورية » .